أرسل الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، من خلال القرآن الكريم الذي هو النور الذي يشرق في العقول ليفتحها على الحقيقة، وفي القلوب ليفتحها على المحبة والرحمة، وفي الحياة ليحركها في اتجاه الخير والعدل.
هذا الرسول الرحمة الذي عاش رسالته في إنسانيته التي كانت تنبض بكل الرأفة والرحمة للناس كافة، وقد كان الرسول اليتيم الذي فقد أمه وأباه منذ انطلق إلى الحياة، فعاش للأيتام وللمساكين والفقراء والمتألّمين والملهوفين، ليردّ لهفتهم، وليخفّف عنهم آلامهم، النبي الإنسان الذي حدّثنا الله تعالى عن إنسانيته النابضة في كلُّ من حوله وما حوله، وهو قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}(التوبة/128) . هذا الرسول الرؤوف بالمؤمنين، والرحيم بهم، كان يتطلع إلى كل الناس الذين يعيشون معه ويحيطون به، ليتحسس كل متاعبهم ومشاكلهم، ليمنحهم الراحة من التعب، وليحلّ لهم كل مشكلة يعانونها، وليتابع كل ما يتحركون فيه في كل المواقع التي ينطلقون فيها؛ في أوضاعهم في بيوتهم، وفي مجتمعاتهم، في أسواقهم وسفرهم وحضرهم، ليوجههم، حرصاً عليهم أن لا يسقطوا ولا ينحرفوا ولا يتزلزلوا.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الله عز وجل في خطابه له: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء/107)، فهو نبيّ الرحمة ورسول الرحمة الّذي ينفتح على كل العالم ليقول لهم: تعالوا إليّ، فالإسلام هو دين الرحمة، يرحم النّاس حتى لا يسقطوا، ولا يتعاطى معهم بالغلظة والقسوة. ومن هذه الآية نستوحي أنّ الإسلام ليس دين عنف وإرهاب وقسوة، كما يدّعي البعض، بل هو دين الرحمة، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو رسول الرحمة، لا من خلال ذاته، بل من خلال رسالته.
وقد تحدّث الله عز وجل عن المؤمنين الذي يدخلون في الإسلام، فقال عنهم: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}(البلد/17)، فالمؤمنون يتراحمون فيما بينهم، ويوصي بعضهم بعضاً بالرّحمة في كل أمورهم. ولذلك، فإن المجتمع الإسلاميّ هو مجتمع الرّحمة الذي يرحم فيه القوي الضعيف، ويرحم فيه الغني الفقير، ويرحم فيه الحاكم المحكومين، ويرحم فيه الإنسان الحيوان. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن».
وقد حدّثنا الله تعالى عن أسلوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة، أنه كان رحيماً بلسانه وقلبه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(آل عمران/159)، كان صاحب القلب الرحيم، وصاحب اللسان الرقيق الذي لا يعنف ولا يقسو، وقد وجّه المسلمين من خلال الوحي: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(الإسراء/53).
وكانت رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسالة شاملة إلى العالم كلّه، وإلى النّاس كلهم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً}(الإسراء/105)، وأراد الله عز وجل له أن يخاطب الناس ليقول لهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}(الأعراف/158)، وأراد لهذه الرسالة أن تمتد في الحياة؛ أن تدخل عقول الناس ليرتفع العقل حتى يتصل بالحقيقة في نورها، وأن تنفتح بالإنسان على كل كيانه ليعيش إنسانيته.
وقد أراد الله تعالى أن يتحمَّل المسلمون مسؤولية هذه الرسالة، لينقلها كل جيل إلى الجيل الذي يأتي بعده. ولذلك، فإن كل جيل من المسلمين يتحمل مسؤولية المشاركة في حمل الإسلام إلى الأجيال الأخرى، ويتحمّل مسؤولية الدعوة إلى الله لتصل إلى كل العالم؛ كلٌ بحسب ثقافته وقدراته، وقد أراد الله لكلّ منّا أن يبدأ بأهله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}(طـه/132)، على أن لا تقتصر مسؤوليته على الاهتمام بأولاده وعياله فحسب، ليعيش اللامبالاة أمام مجتمعه، بل أن يشعر كل إنسان بأنّه رسول الله إلى أهله ومجتمعه، بحيث يبلّغ أهله ومجتمعه رسالة الله عز وجل.
والله تعالى أراد أن يقدّم لنا المجتمع الذي صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله في تربيته لأصحابه، فقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً}(الفتح/29)، وحدَّثنا سبحانه عن أتباع النبيّ صلى الله عليه وآله في زمنه وفي كلِّ زمان ومكان، فقال سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الأعراف/156-157).
إنها الدعوة التي تشمل كل زمان ومكان، إلى الإيمان بالله عز وجل واتّباع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. هكذا حدثنا الله تعالى عن الذين ينفتحون على رسالته ويتبعونه، هذه الرسالة الإنسانية التي تنطلق للارتفاع بالإنسان إلى أعلى مستوى، لأن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق لتكون المجتمعات الإسلاميّة مؤهّلة لصنع الحضارة، وقد اعتبر الله تعالى العقل هو الحجة بينه وبين الناس، واعتبر العلم أساس القيمة: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}(الزمر/9)، وأراد لكل الذين يأخذون بأسباب العلم، أن يستزيدوا منه في كل مرحلة: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}(طـه/114)، وأراد للمسلمين أن يكونوا الأقوياء: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}(الأنفال/60). والإسلام عندما ينفتح على العالم، فإنه لا يحمل سيفاً يقتل به الآخرين، بل يحمل إليه روحاً وفكراً وعلماً وحضارةً، ويريد للعالم أن ينطلق على أساس الحضارة الإسلامية التي أغنته.
نداء رسول الله صلى الله علي وآله للمسلمين جميعاً
أيُّها المسلمون: ونحن نذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنؤكِّد أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد للمسلمين أن يتوحدوا وينطلقوا فيما يختلفون فيه كما وجَّههم الله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(النساء/59). لقد برز في هذه المرحلة الشرك كله والكفر كله والاستكبار كله إلى التوحيد كله والإيمان كله والمستضعفين كلهم، ولذلك علينا أن نأخذ بأسباب الوحدة في كلِّ مواقعنا، فلا يقتل بعضنا بعضاً، ولا يلعن بعضنا بعضاً، ولا يكفّر بعضنا بعضاً، لأن الله سبحانه وتعالى أراد للمسلمين أن يعتصموا بحبل الله جميعاً. ولذلك، فإن كل من يحاول أن يثير الفتنة بين المسلمين، هو خائن لله سبحانه وتعالى ولرسوله ولأوليائه، وكل من يؤيد العصبية التي تجعل المسلم يقف ضد المسلم في وقت التحديات، ويعطي المستكبرين والكافرين الفرصة من أجل احتلال بلاد المسلمين والإيقاع بينهم، هو خائن لله سبحانه وتعالى ولرسوله ولأوليائه، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ}(الأنفال/27).
إن الله عز وجل يريد لنا أن نقاتل في سبيله القتال الثقافي والسياسي والعسكري صفاً واحداً، يدعم بعضنا بعضاً، وأن ننطلق من أجل أن يكون الإسلام دين العالم كله، ودين الحياة كلها: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(التوبة/105).