قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) .
س: ألا تدلّ الآية التّالية على الجبر، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [البقرة:6ـ7]؟
ج: الآية لا تدلّ على الجبر، ولكنّها تبيّن أنّ هؤلاء عندما عاشوا العصبيَّة لوثنيَّتهم ولصنميَّتهم وللخرافات التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم، جمدت عقولهم وقلوبهم، ولم تعد لهم أيّة فرصة عقليّة للتّفكير في أنّ ما التزموه لا يمثّل العقل، ولا يمثّل الحقيقة. ولذلك فإنّ الله عندما يختم على سمعهم وعلى أبصارهم، فإنّه لا يجبرهم على أن يغلقوا سمعهم وأبصارهم، بل إنهم عندما يأخذون بأسباب الجمود الفكريّ والعصبيّة العمياء، فإنّ ذلك يؤدّي إلى الختم على سمعهم وعلى أبصارهم. فالله سبحانه وتعالى لا يباشر الأمور في الضّلال والهدى بشكلٍ مباشر، ولكنّ الإنسان الّذي يأخذ بأسباب الضّلال هو الّذي يتحرّك في خطّ الضّلال، لأنّ الله سبحانه وتعالى فيما قدره من قانون السّببيّة، يربط الأشياء بأسبابها. فإذا أراد الإنسان الضّلال، فإنّ الله عز وجل يضلّه باختياره، وإذا أراد الهدى، فإنّ الله سبحانه وتعالى يهديه باختياره، وهذا بعيدٌ عن الجبر، لأنّه ينطلق من حال الاختيار، لا من حال الفرض والقهر.
س: الخطاب في قوله تعالى: (وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:42] موجّه إلى اليهود، فهل يمكن أن يكون شاملاً للمسلمين؟
ج: تتحدّث الآية عن هؤلاء الّذين يخلطون الحقّ بالباطل، ويقدّمون الحقّ ومعه مزيدٍ من الباطل لأجل إضلال النّاس، وتصوير الحقّ على أساس أنّه الباطل، وتصوير الباطل على أساس أنّه الحقّ، وهي بذلك تعالج ما كان اليهود يتحرّكون به في تعاملهم مع رسالات الله، وإذا تحرّك المسلمون بتلك الطّريقة ذاتها، فإنّ حكمهم هو حكم اليهود في هذا الاتجاه.