أدى إسلام أسرة عمار إلى سخط حلفائها من بني مخزوم، فثارت ثائرتهم ونقموا على الأسرة المسلمة، وكان من أثره أن عصفت بها عواصف المحن وهاجت عليها رزايا العذاب.
والظاهر أن قريشا أرادت من تعذيب تلك الأسرة المؤمنة تخويف وردع المسلمين الأوائل وخاصة المستضعفين منهم، الذين لا يملكون عشائر في مكة... وقد كثرت الروايات حول فنون عذاب المخزومين لأسرة ياسر، التي صمدت وصبرت حتى جاء أبو جهل إلى سمية وطعنها في قلبها وهي تأبى إلاّ الإسلام، وقتلوا زوجها ياسراً فكانا أول شهيدين في الإسلام.
أمّا عمّار فقد بلغ به العذاب إلى درجة لا يدري ما يقول، ولا يعي ما يتكلّم، وروي أنّه قال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: لقد بلغ منّا العذاب كل مبلغ. فقال نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم: صبراً أبا اليقظان، اللهم لا تعذّب أحداً من آل عمار بالنار.
ويقال أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر بهم فيدعو بقوله: صبراً آل ياسر موعدكم الجنة.
وقد لوحظت آثار النار واضحة على ظهر عمّار حتى أواخر حياته.
منذ تلك اللحظة سار عمّار على طريق الجهاد والثبات مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهاجر الهجرتين وصلى القبلتين، وشهد بدراً واحداً وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبلي بلاء حسناً وهو في كل الوقائع من المقدمين في الجيش.
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقف عمار بن ياسر رضوان الله تعالى عليه إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام، ودافع عن حقّه في الخلافة، وكان من المقربين منه، واشترك معه في معاركه ضد الناكثين والقاسطين والمارقين. حتى كانت واقعة صفين عندما تقابل جيش أمير المؤمنين عليه السلام مع جيش معاوية، حيث نزل عمار بن ياسر رضوان الله تعالى عليه إلى الميدان لقتال القوم، وهو شيخ في الرابعة والتسعين من عمره وقد نقل ابن الأثير أن عمار خرج إلى الناس يومها وهو يقول: «اللهم أنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقدف بنفسي في هذا البحر لفعلته، اللهم أنك تعلم لو أني أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم انحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت، وأني لا أعلم اليوم عملاً أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم اليوم ما هو أرضى منه لفعلته، والله لو ضربونا حتى بلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل.
وقد قاتل رضوان الله تعالى عليه حتى استشهد، وقد كان لاستشهاده أثراً كبيراً أزال الشبهة عند كثير من الناس، وكان ذلك سبباً لرجوع جماعة إلى أمير المؤمنين عليه السلام والتحاقهم به، ذلك أن الجميع يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ويح عمّار تقتله الفئة الباغية، يدعونهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.
وقد وردت في فضل عمّار أحاديث كثيرة، منها ما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب من أن عمار استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعرف صوته فقال صلى الله عليه وآله وسلم: مرحباً بالطيّب ابن الطيب ائذنوا له.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أيضاً، أنّه قال: «عمّار جلدة بين عيني».
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: «كم ذي طمرين ،لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، منهم عمار بن ياسر».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لقد ملئ عمار إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعمار: «إنّك من أهل الجنّة».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ابن سمية لم يخيّر بين أمرين قط إلا أختار إرشدهما، فالزموا سمته».